السعيد شنوقة

230

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ومن هذا العصر ذكر السيوطي محمد بن علي بن الحسين بن مهرإيزد أبو مسلم الأصبهاني ( ت 459 ه ) وهو أديب مفسر نحوي معتزلي عارف بالتفسير على مذهب الاعتزال له تصنيف « التفسير » في عشرين مجلدا « 1 » . وللقزويني عبد السلام بن محمد بن يوسف ( ت 488 ه ) ، شيخ المعتزلة ومن معمريهم تصنيف « التفسير الكبير » . أخبر السيوطي عن السمعاني قال : « لم ير في التفاسير أكبر منه ولا أجمع للفوائد لولا أنه مزجه بكلام المعتزلة وبث فيه معتقده وهو في ثلاثمائة مجلد منها سبع مجلدات في الفاتحة » « 2 » وهذا الاستحسان المستدرك يذكّرنا بثناء ابن خلدون ( ت 808 ه ) على تفسير الكشاف للزمخشري . بيد أنه استدرك ممتعظا من احتجاجه فيه على أصولهم الخمسة فقال : « ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفسير كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق إلّا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة » « 3 » دون أن يغيب عنا أن ابن خلدون ممن ينتصر لأهل السنة . وهكذا نصل إلى أبرز تفسير من ذلك العصر هو تفسير « الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل » للزمخشري ( 467 ه 538 ه ) الذي يعدّ خاتمة شيوخ المعتزلة ، فتفسيره متميز عن تفسير سابقيه ولاحقيه لأنه تأسس على ما لم يسبق إليه وهو علم المعاني والبيان الذي لا سبيل لإدراك حقائق إعجاز القرآن الكريم إلّا بالدربة عليه والتمرس فيه وإتقان عجائب طرقه وأسراره « 4 » التي طوّعها هذا العالم بنضجه العلمي وفكره الثاقب وذوقه الرفيع من خلال تطبيقه على ما أورده عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 ه ) في كتابه دلائل الإعجاز . لقد أسهم الزمخشري بهذا التفسير في إعادة بعث تفاسير أهل الاعتزال لأن مصنفه الوحيد المتكامل الباقي من تراثهم الذي عكس ما تمثله من معارف وثقافات وهو التفسير الذي حظي بشهرة فائقة وتثمين علمي معتبر من الداني والقاصي والصديق والعدو رغم حرص صاحبه على الانتصار لآراء المعتزلة فتتبعه علماء كثيرون بالنقد وآخرون بالبحث والفكر . ولعل أبرز معقّب عليه من أهل السنة أحمد بن المنير

--> ( 1 ) طبقات المفسرين ، ص 85 . ( 2 ) م ن ، ص 56 . ( 3 ) المقدمة ، دار العودة ، بيروت ( د . ت ) ، ص 349 . ( 4 ) انظر مقدمة الكشاف ، ج 1 ، ص 15 ، 16 ود . شوقي ضيف ، البلاغة تطور وتاريخ ، دار المعارف ، ط 6 ، 1965 م ، ص 222 .